معرض رأس الخيمة لتأبين الكتاب
كتبهامحمد حسن ، في 26 أغسطس 2007 الساعة: 01:39 ص
تراودني في أحايين كثيرة وأنا أقف أمام المرآة متأمّلاً جمالي الأخّاذ أحلام وكوابيس يقظة مزعجة جدّاً .. !
كان آخرها البارحة بينما كنت متسمّراً أمام " الجامة " أعدّل من هندامي فتخيّلت أنّني رئيس دولة .. !
هكذا .. رئيس دولة دفعة واحدة .. من غير إنتخابات ذات طابع الـ99،9% .. ومن غير وراثة ولا هم يرثون .. !
وكأيّ رئيس دولة أقوم بتخيّل شعبي راكعاً أمامي وأنا أخطب فيهم بكلّ حماسة .. وهم يدعون لي بطول العمر والبقاء .. ثمّ يَرِدون عليّ زمراً بعضهم يقبّل " خشمي" .. وآخر يلثم يدي وقدمي بقبلات متتابعة .. و .. و ..
ولم يقطع عليّ حبل أفكاري ويبدّد تخيّلاتي إلا رنين هاتفي المحمول - قاتله الله - !
وكان المتّصلٌ صديقي يخبرني أنّه ينتظرني في الخارج لنذهب سويّاً إلى معرض الكتاب .. !
فأنهيت الاتصال بسرعة ونظرت إلى المرآة وقلت :
"يا شعبي العظيم .. (….) الله عليكم وعلى اليوم الذي عرفتكم فيه !!
قوموا من جدّامي لا بوكم لابو من يابكم .. يا شعبي الكريم !"
ثمّ بدأت في جمع الأغراض التي أحملها عادةً في جيبي استعداداً للخروج .. !
ولأكون أكثر صدقاً فأنا لا أعلم ما هي هذه الأغراض لكنّها خمسة أشياء أعدّها كل مرّة .. فإن كان الرّقم ناقصاً دّل ذلك على أنّي نسيت شيئاً منها .. !
1
2
3
4 .. !!
حسناً .. أنا ذكيّ بما فيه الكفاية لأكتشف أنّ هناك شيءٌ ما ينقصني من أغراضي .. واكتشفت ـ بنفس الذّكاء أيضاً ـ أنّ ما ينقصني هو "موبايلي" .. ـ وقد قيل لي أنّ أفضل طريقة للبحث عن الموبايلات المفقودة بين أكوام الكتب والورق .. هي الاتّصال عليه .. والاستدلال على مكان وجوده عن طريق صوت رنينه المزعج .. !
بدأت في الاتصال وكان الرّقم مشغولاً ممّا أثار شكوكي بأنّ هناك من يعبث به .. وأنا وأغراضي الخمسة دائماً ما نكون عرضة للعبث !
لم تفلح كلّ محاولاتي المستميتة في الوصول إلى الموبايل الذي يشغله غبيّ ما .. !
قرّرت ألا أخرج .. فما الفائدة من خروج إمارتي من منزله بدون موبايل يمسكه في يده .. !
لم أشعر بأيّ نقص أو ازدراء لذكائي حين اكتشفت لاحقاً أنّني كنت أتّصل على موبايلي الضّائع بواسطته هو شخصيّاً!
لا يهم .. فالأذكياء مثلي دائماً حين يتصّلون على الرّقم من نفس الرّقم .. يجدونه مشغولاً .. !
—
وصلنا للمعرض في تمام السّاعة الخامسة والنّصف مساءً .. مع أنّ ساعتي الرّقمية الأمريكيّة كانت تشير إلى الخامسة والنّصف صباحاً .. فكذّبت عيناي وصدّقت أمريكا .. !
وممّا أكّد لي صدق ساعتي الأمريكيّة .. أنّ المكان بدا - وليس كلّ ما يبدو حقيقيّاً - للوهلة الأولى خالياً من الزّوار .. ولن أبالغ إن قلت أنّي لم ألتقِ إلا ببضع كائنات حيّة طوال الطّريق من مواقف السّيارات إلى مدخل المعرض .. فقد كانت الطرّيق شبه خاوية .. ونسمات المساء - أو الصّباح على ذمّة ساعتي - باردة بشكلٍ مستفزّ .. !
ما إن دخلت للمعرض حتّى أصبتُ بخيبة أملٍ كبيرة .. فالحال في الدّاخل لم يكن يختلف كثيراً عنه في الخارج .. كانت الكتب والقواطع أو " الستاندات " تبكي وتنتحب لعدم وجود من يتأمّلها ويتغزّل فيها .. !
أخذتُ أسير في خطواتٍ وئيدة .. ألتفت يمنةً ويسرة .. أبحث عمّا يغري لشرائه واقتنائه .. كلّ ما أراه " ستاندات "بيضاء تحوي طاولة ورفوف عليها مجموعات ورقية معنونة .. يسمّونها كتب .. ولكنّها كذب .. لا تستحقّ أن تنال هذا اللّقب .. ولا تساوي حتّى ثمن الحبر الذي طبعت به .. !
كيف تصبح طاهيا .. تعلمي نقش الحناء .. 100 سؤال وجواب للمسابقات التلفزيونية .. تعرف على شخصيتك من برجك .. الخ الخ
لمحتُ من بعيد ركن لمكتبة جرير .. ذهبت إليهم وقلّبت نظري في مطبوعاتهم .. لم أجد عناوين جديدة .. نفس الكتب رأيتها في مكتبتهم .. !
والطّريف في الأمر أنّ صديقي سألهم عن أحد الكتب فقالوا له أنّ الكتاب يباع في فرعهم الرّئيسي في أبوظبي .. !
انسحبت بهدوء وواصلت المسير .. صفّ كامل من الستاندات مخصّص لبيع أشرطة الأناشيد والكتب الدّينيّة .. اقتربت من أحدها .. سألت البائع عن كتاب أفراح الرّوح لسيّد قطب .. !
لا يوجد
العدالة الإجتماعيّة .. ؟
لا يوجد
العقيدة وأثرها في بناء الجيل .. ؟
لا يوجد
الإسلام ومستقبل البشريّة .. ؟
لا يوجد
ابتسمت له ثمّ أكملت مسيري .. رأيت طفلة مع ذويها أمام أحد الستاندات التي تبيع كتباً للأطفال .. وهم يساومون البائع على مجموعة قصص للأطفال .. ! شيءٌ جميل أن يعوّدوا أبناءهم على القراءة وشراء الكتب .. في الوقت الذي تحرص أغلب العوائل على توفير أحدث أجهزة الـplay station ووسائل الترفيه الإلكترونيّة لأبنائها على حساب تثقيفهم وتنمية مواهب القراءة لديهم .. !
سرتُ بمحاذاة بعض الدور المخصّصة للأطفال لأرى مافي جعبتهم .. !
أصابني الإحباط عندما رأيت هذا الكمّ الهائل من دفاتر تلوين !! لم العناء ؟ فجميع البقالات والجمعيات تزخر بها .. أين الكتب العلميّة الجميلة للأطفال .. كتب التّجارب والإدراك .. والقصص العميقة المسلية .. !
وصلت لمكتبة دبي للتّوزيع .. ورأيت " الحرمنة " على أصولها .. !
الكتب تكاد تحترق من غلاء أسعارها .. انتقيت روايتان للدّكتور بشير صالح الرّشيدي .. بالإضافة إلى سيديهات تطوير الذّات للدّكتور نفسه !
سألتهم عن الخصومات التي لديهم على الكتب .. قال لي البائع المصريّ أنّهم سيعطونني كوبون خصم بنسبة 10% لأي كتابٍ أشتريه من فرعهم في رأس الخيمة .. !
قلت له : لا أعتقد أنّك فهمتني جيّداً .. أنا أسألك عن خصوماتكم على الكتب الموجودة في المعرض .. !
قال لي : "مفيش" !
وسؤال أوجّهه إلى اللجنة المنظّمة للمعرض .. ما الفائدة من معرضٍ للكتاب إن لم يكن هناك خصومات على الكتب .. ففي معرض الشّارقة وأبوظبي تصل نسبة الخصم على الكتب إلى 25% من السّعر الأصلي .. وبعض المكتبات تزيد النّسبة .. وفي آخر زيارة لي لمعرض أبوظبي اشتريت تفسير الكشاف للزّمخشري ( في أربعة أجزاء ) بخمسين درهماً فقط .. بينما يصل سعره الأصليّ خارج المعرض إلى أكثر من 150 درهماً ..!
—
وجدت أحد الستاندات مزدحماً ( رجلان وبعض النساء ) اقتربت فإذا به ( مركز رأس الخيمة للتّوحد ) .. !
التفتت إلي إحدى النّساء وسألتني .. " أنت المسؤول هنا ؟"
أجبتها بالنّفي .. فتفرّق الجمع تباعاً .. !
ألقيت نظرة على المكان .. رأيت مجموعة من المنشورات مصفوفة بطريقةٍ منظّمة على الطّاولة .. !
حككت أرنبة أنفي مستغرباً خلوّ المكان .. انتظرت لبعض الوقت ثمّ خرجت لما لم أجد أحداً .. !
تابعت التّجول ورائحة الخواء تسيطر على المكان .. وتكاد تخنقني .. لكنّي مازلت على أملٍ بأن أجد شيئاً يستحقّ عناء هذه الزّيارة .. وصلت إلى نهاية المعرض وكان آخر ستاند من سوريا لدار الفرقد .. !
أخذت أثرثر مع البائع السّوري لأكثر من نصف ساعة .. أبدى استغرابه من ضعف الإقبال على المعرض .. !
خصوصاً وأنّه كان يسمع كثيراً أنّ معارض الكتاب في الإمارات تفوق مثيلاتها في الخليج من ناحية الإقبال الجماهيري .. !
لم أعرف ماذا أقول له .. !
أخذت أجول ببصري في الكتب المعروضة في ركنه .. !
اخترت منها ( محاكم التفتيش )لـ"غي تستاس-جان تستاس" و( رسالات الله )لأـ"عزيز مشهور" وأهداني مجموعات قصصية للسوريّة نجوى حسن .. وودّعته على أمل اللقاء به مجدّداً في معرض أبوظبي أو الشّارقة .. !
—
خرجتُ من المعرض بانطباعٍ سيّئ وحالة يرثى لها .. صداعٌ وغثيان لايحتملان .. لم يرحمني منهما إلا الخلود للنّوم .. وتدوين هذا الموضوع عن بعض ما رأيته في زيارتي البائسة لمعرض رأس الخيمة للكتاب .. !
ولست هنا بصدد التّنظير والتّوجيه للجنة المنظّمة للمعرض .. ولكن أقول لهم .. اذهبوا لمعرض أبوظبي للكتاب الذي ستنعقد دورته الـ15 الشّهر القادم .. وتعلّموا منهم كيف تقام المعارض .. !
أمّا تدشين " سوق جمعة " للكتب وتسميته "معرض" .. فهذا فضلاً عن كونه إهانة لمعارض الكتب الكبرى .. فهو تضليلٌ لمن قدم من إمارات ومدن الدّولة القصيّة ليفاجئ بوقوعه ضحيّة للدّعاية الكاذبة والمزيّفة لمعرضكم .. !
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























أغسطس 26th, 2007 at 26 أغسطس 2007 6:32 م
الرائع محمد حسن لقد استمتعت كثيرا في جولتي بين كلماتك , وبالفعل ان الكتاب الان اصبح العدو اللدود لبعض الاخوه , بعض ان كان خير الصحاب في زمن ما , وكما قلت اخي محمد نوعية الكتب الموجوده لا أدري من تستهوي ؟؟ أصلا رواد معارض الكتاب قليلون ولهم متطلبات خاصه فلمن تعرض هذه الكتب الرديئة ليست رديئة ربما ولكنها صعيفة المحتوى .
اتمنى ان ارى يوما ً من الايام معارض الكتاب عندنا تغص بالضيوف والمقتنين , وايضا نوعية الكتب التي عندما تطرق بابها تستقبلك بالعلم والفائدة , وعندما تودعك تهديك معلومات تستفيد بها .
اشكرك .
فبراير 13th, 2008 at 13 فبراير 2008 4:20 م
تحية زنبقية يا رفيق الحرف
ربما أشاطرك شعورك المخيب للأمل.. ولكن ليس بيدي إلا أن أتفاءل برأس الخيمة، التي كنت - وما زلت - أنعتها أحيانا في حالات اليأس بـ”رأس الخيبة”..
أنا مثلك، صدمت - ولم أصدم - بالإقبال شبه المعدوم للزوار، ولو حتى من باب الفضول مثلا… وآخرهم إحدى الزميلات التي سألتني بفرح: إكسبو فتح!! فأجبت: تقصدين معرض الكتاب؟ قالت: أوييه.. معرض كتاب!!! لالالا ما بسير.. خلاص.
رأس الخيمة اعتادت النمط الاستهلاكي في كل شيء.. حسنا، لن نتحامل على رأس الخيمة، ولنقل إن الإمارات كلها معتادة على النمط الاستهلاكي.. الدور الباقي علينا نحن الآن.. الجيل الذي يحاول أن يعيد للكتاب هيبته..
مثلك أيضا، وقفت عند دار نشر نينوى.. كتبها القيمة تتناول الفلسفة والصوفية والنقد والقراءات السياسية.. منها لإدوارد سعيد، ومنها لنيسين.. كتب صعبة على القارئ العادي، وعندما سألت صاحب الدار ببساطة: فيه حد اشترى من عندك؟؟ كتبك تخيف القارئ العادي برأيي.. فكيف بقارئ “رأس الخيبه”!!!
هنا تجهم الرجل.. وقال لي إنه لم يأت إلا بدعوة ملحة.. رغم معرفته بالحال.
أقول لك..
أقول لكم جميعا…
رأس الخيمة مدينة تعلمك مهادنة الوقت.. تعلمك الصبر أكثر مما يعلمك إياه الجمل.. مدينة تروض الشعراء والكتاب وكل المغامرين في عصر السرعة.. مدينة تبااااااغتك..
صدقني يا رجل،،
لم أكن من المؤمنين برأس الخيمة حتى نهاية 2008
أنا الآن..
أحترمها حقا.. بكل ما فيها
ومتفائلة بمعرض الكتاب هذا..
الدور الباقي علينا نحن..
ببساطة أسألك..
بعد احتراق اتحاد الكتاب… والذي حرق قلوبنا جميعا.. أين هو الآن؟ وأين نحن منه؟ وما الذي فعلناه من أجله؟
عندما تجد جوابا لهذا السؤال.. وعندما نلملم شتات مثقفي وأدباء رأس الخيمة المبعثرين في خيام اللجوء الثقافية…
عندها فقط.. يحق لنا إلقاء اللوم على محبي القراءة والاطلاع.. ومن جاورهم في أمان الله!
ملاحظة: أسلوبك الأدبي بديع… استمتعت به رغم مرارة فحواه.
سلمك الله وبارك نبض حرفك
ديسمبر 18th, 2008 at 18 ديسمبر 2008 5:35 م
بحبك يا فاطمه